وضعية المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان: وسؤال الحال والمآل

تحميل الملف المرفق

10/12/19 09:15

عام

مستجدات الجمعية

وضعية المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان: وسؤال الحال والمآل
وضعية المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان: وسؤال الحال والمآل

وضعية المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان: وسؤال الحال والمآل

                                                                     

 

I-                 وضعية المدافعين والمدافعات والحماية الأممية لحقوقهم

 

اقتنع المنتظم الدولي بضرورة تحمل الدول والحكومات مسؤوليتها في توفير كل الشروط الضرورية لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان معتبرة أن لهم دورا أساسيا في تعزيز تلك الحقوق.  ولذلك تم اعتماد الإعلان الخاص بحق ومسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع المدني في تعزيزوحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالميا المعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 144/54 الصادر في 9 دجنبر 1998، والمعروف اختصارا بإلإعلان حول المدافعين، وذلك للرفع من وتيرة حماية حقوق الإنسان و النهوض بها. ويحدد الإعلان مفهوم المدافع من خلال اعتبار جميع اعضاء المجتمع الدولي مضطلعين، مجتمعين ومنفردين، بالتزامهم الرسمي بتعزيز وتشجيع احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية للجميع دون تمييز من أي نوع ، بما في ذلك التمييز على اساس العرق ، او اللون ، او الجنس ، او اللغة ، او الدين ، او الرأي السياسي او غير السياسي ، او الاصل الوطني او الاجتماعي ، او الملكية ، او المولد ، او أي وضع آخر ، ويؤكد ما لتحقيق التعاون الدولي من اهمية خاصة للوفاء بهذا الالتزام وفقاً للإعلان. وهو ما جاء في ديباجة الإعلان . وفي مادته الأولى جاء أيضا : من حق كل شخص، بمفرده وبالاشتراك مع غيره، ان يدعو ويسعى الى حماية واعمال حقوق الانسان والحريات الاساسية على الصعيدين الوطني والدولي  

 أما صحيفة وقائع التي تصدرها المفوضية السامية لحقوق الإنسان والتي خصصت عددها التاسع والستين للمدافعين وعنونته بعنوان "المدافعون عن حقوق الإنسان : حماية حق الدفاع عن حقوق الإنسان"، فقد تحدثت عن المدافعين كما يلي : "المدافعون عن حقوق الإنسان" عبارة تستخدم لوصف أولئك الذين يعملون، منفردين أو بالاشتراك مع أخرين، من أجل تعزيز أو حماية حقوق الإنسان، ويتم التعرف على  المدافعين عن حقوق الإنسان في المقام الأول من خلال الأعمال التي يؤدونها وبعض السياقات التي يعملون ضمنها. مع تأكيد أنه لا توجد قائمة شاملة للأعمال التي يقوم بها المدافعون عن حقوق الإنسان.

وفي فقرة أخرى وجوابا على سؤال: من الذي يمكن أن يصبح مدافعا عن حقوق الإنسان؟ تقول الصحيفة "ليس ثمة تعريف محدد للمدافع عن حقوق الإنسان أو من الذي يمكنه أن يصبح من المدافعين عن حقوق الإنسان، وذكرت بنفس المضمون الذي تضمنه الإعلان والمشار إليه سالفا. إلا أن الوثيقة أكدت رغم ذلك على معايير ثلاثة اعتبرتها معايير دنيا لاعتبار شخص ما مدافعا عن حقوق الإنسان وهي :

ــ الإيمان بمبدإ كونية حقوق الإنسان كما ينص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذ تؤكد الوثيقة أنه لا يمكن للشخص أن ينكر بعض الحقوق ثم يدعي صفة المدافع عن حقوق الإنسان لأنه يدافع عن حقوق أخرى.

ــ أن تندرج الحقوق التي يدافع عنها المدافعون عن حقوق الإنسان ضمن منظومة حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا ولا يشترط في ذلك أن تكون منسجمة مع القوانين المحلية، والشيء الأهم أن تكون شواغلهم تندرج ضمن حقوق الإنسان.

ــ أن تكون الإجراءات التي يتخذها المدافعون عن حقوق الإنسان ذات طابع سلمي أي أن يكون عملهم سلميا حتى يمتثل لمقتضيات الإعلان العالمي لحماية المدافعين.

ومن بين ما نص عليه الإعلان أيضا وبشكل أساسي هي الحقوق التي يجب أن توفرها الدول للمدافعين عن حقوق الإنسان وتتلخص في ما يلي:

ــ الالتقاء او التجمع سلمياً ؛

ــ تشكيل منظمات او جمعيات او رابطات او جماعات والانضمام اليها والاشتراك فيها ؛

ــ الاتصال بالمنظمات غير الحكومية او بالمنظمات الحكومية الدولية .

ــ معرفة المعلومات المتعلقة بجميع حقوق الانسان والحريات الاساسية

ــ حرية نشر الآراء والمعلومات والمعارف المتعلقة بجميع حقوق الانسان والحريات الاساسية او نقلها الى الآخرين واشاعتها بينهم

ــ دراسة ومناقشة وتكوين واعتناق الآراء بشأن مراعاة جميع حقوق الانسان والحريات الاساسية في مجال القانون وفي التطبيق على السواء

ــ استنباط ومناقشة افكار ومبادئ جديدة بصدد حقوق الانسان وفي الدعوة الى قبولها.

ــ فرصة المشاركة في حكومة بلده او بلدها وفي تصريف الشؤون العامي تقديم انتقادات ومقترحات الى الهيئات والوكالات الحكومية والمنظمات المعنية بالشؤون العامة

ــ الاستفادة من أي سبيل انتصاف فعال وفي الحماية في حالة انتهاك هذه الحقوق

ــ الاشتراك في الانشطة السلمية لمناهضة انتهاكات حقوق الانسان والحريات الأساسية

ــ عدم التقيد إلا بما تفرضه الاتفاقيات الدولية من قيود بخصوص الحقوق والحريات التي تنص عليها.

 

II-             مساءلة أوضاع المدافعين في العالم على ضوء مضامين الإعلان

 

 وقف مجلس حقوق الإنسان بجنيف على أوضاع المدافعين في تقاريره حيث تحدث عن اتساع نطاق الأعمال الانتقامية ضد ناشطات ونشطاء حقوق الإنسان ممن يتعاملون مع الأمم المتحدة وآلياتها الخاصة بالدفاع عن حقوق الإنسان، وجاء المغرب ضمن 38 دولة اعتبر التقرير انها ارتكبت ممارسات مخزية ضد مدافعين عن حقوق الإنسان توجهوا للهيآت الأممية لحقوق الإنسان.

وتقف العديد من المنظمات الدولية المتخصصة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان على حقيقة وضع المدافعين البعيد كل البعد عما نص عليه الإعلان. وتوقفت عند المخاطر الكثيرة والتحديات الكبيرة التي تواجه حركة الدفاع عن حقوق الإنسان في عالم تتراجع فيه الإرادة السياسية للدول في الالتزام باحترام الحقوق والحريات، وتختل فيها موازين القوى لصالح القوى المناهضة لها والممعنة على انتهاكها، والتي تتضح من خلال صعود اليمين المتطرف في عدد من مناطق العالم. ذلك أن مستوى وحدة المخاطر التي تواجه المدافعين تختلف من منطقة إلى أخرى. فوضعية المدافعين مرتبطة أشد الارتباط بحالة الديمقراطية في مختلف مناطق العالم. كلما تقدمت هذه الأخيرة تحسنت أوضاع المدافعين وتراجعت الانتهاكات التي تواجه حركة الدفاع عن حقوق الإنسان.

ففي أمريكا الجنوبية يواجه المدافعون عن حقوق الإنسان، وخاصة منهم المناضلون من أجل الحق في الأرض وحقوق الأقليات وحقوق الشعوب الأصلية، خطر الموت باستمرار بسبب تزايد حالات الاغتيالات السياسية التي تستهدفهم. وفي مناطق النزاعات المسلحة والحروب والعدوان توجد الحركة الحقوقية في مقدمة ضحايا هذا الوضع خاصة منها التي تقوم بعمل القرب وفي مقدمتهم الصحافيون. وفي دول الاستبداد التي رغم عدم قيام نزاعات مسلحة على أراضيها، كمصر وتركيا وإيران وغيرها كثير، يتعرض فيها المدافعون للسجن وأحكام الإعدام والتعذيب مع التأكيد على الأوضاع المأساوية للمدافعين في بعض الدول من ضمنها السعودية التي ينضاف إلى الاعتقالات الممنهجة والأحكام بالإعدام، أصناف أخرى من العقوبات الجسدية المؤلمة والحاطة بالكرامة الإنسانية. وحتى في الدول الأوربية التي تعد الأقل استبدادا وفسادا، فالعديد من المدافعين يتعرضون فيها للتضييق وخاصة منهم المدافعون عن حقوق الشعوب وفي مقدمتهم حركة "المقاطعة والحصار وسحب الاستثمارات" الموجهة ضد الكيان الصهيوني الذين يتعرضون في فرنسا مثلا للمتبعات بتهمة معاداة السامية.

وإذا كانت أوضاع المدافعين في المناطق التي تعرف نزاعات مسلحة وأنظمة دموية تتميز بمواجهتهم لخطر الموت بشكل يومي، فإن دولا أخرى، والمغرب في مقدمتها، تستفيد من هذا الوضع المأساوي لتجهز عل أبسط الحقوق والحريات، مستغلة مشاعر الخوف التي أنعشتها الخطابات الأمنية المبالغ فيها، ومحاولة التبخيس من خطورة الانتهاكات التي تمارسها معتبرة إياها ثمنا ضروريا ومقابلا يتطلبه الحفاظ على الاستقرار المزعوم الذي تتباهى به.

 

III-         أوضاع المدافعين/ات في المغرب

 

يعد المغرب من بين الدول التي انقضت على ما وفره واقع الانهيار الأمني في المنطقة من فرص للسلطة للإجهاز على المكاسب الجزئية والهشة التي تحققت خلال عقود من نضال الحركة الديمقراطية والحقوقية بشكل خاص. مستعملا فزاعة الفتنة والحرب داخليا، وورقة الحماية من الإرهاب اتجاه أوربا التي استعملتها دولها بدورها اتجاه مواطنيها لتبرير دعمها لسياسة الفساد والاستبداد في المغرب، في تناقض صارخ مع القيم التي تتبناها في خطابها اتجاه شعوبها. فقد عرفت أوضاع حقوق الإنسان في شموليتها تراجعات صارخة على جميع المستويات، خاصة بعد تراجع حركة 20 فبراير واختلال موازين القوى من جديد لصالح السلطة والقوى المناهضة للحقوق والحريات. ويتضح هذا التراجع في العديد من المؤشرات تهم حرية الصحافة والتعبير ومستوى جودة العدالة واحترام القانون وعلى مستوى الحكامة والشفافية وأيضا على مستوى العديد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وحقوق الفئات. وقد قدمت الورقة الخاصة بتحليل السياق تدقيقا لمميزات هذه الأوضاع وعددا من المؤشرات الرقمية عنها.

وقد احتد هذا الوضع ببلادنا أكثر سنة 2014، يتجلى في المنحى التراجعي القوي الذي عرفه السلوك الرسمي للسلطة ضد الحركة الديمقراطية بشكل عام والحركة الحقوقية المستقلة بشكل خاص، والمتميز برجوع الحصار الممنهج للدولة ضد المدافعين وقمع الصحافيين ووصمهم ومحاكمة النشطاء بقرون من السجن النافذ. وهو ما وقفت عليه بتفصيل تقارير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الصادرة في السنوات الأخيرة، كما عكسته تقارير المنظمات الدولية المعروفة، كمنظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، حيث أصدرت هذه الأخيرة تقريرا لها غير مسبوق حول وضعية المدافعين بالمغرب في فراير 2018، إذ أبرز ما سماه التقرير ب "انكماش حيّز العمل بالنسبة للمجتمع المدني المستقلّ في المغرب"، واعتبرت أن ذلك يؤثر على عدد متزايد من منظمات حقوق الإنسان، ويجعل من المكاسب الدّستورية التي تحققت سنة 2011، في أعقاب حركة 20 فبراير وما سمي ب"الربيع العربي"، في تراجع تحت وطأة القيود والمضايقات الإداريّة.

كما يتضح احتداد القمع ضد المجتمع المدني من خلال الآليات الجديدة التي يقاوم بها، إذ تشكلت في المغرب لأول مرة شبكة تضم الهيآت التي أصبحت عرضة لقمع ممنهج من السلطة وهي "شبكة التنظيمات ضحايا المنع والتضييق" والتي تضم ما يقارب 30 تنظيما. ووضعت تقاريرها تضمنت عشرات حالات المنع لأنشطة المجتمع المدني التي تدخل ضمن عمل المدافعين عن حقوق الإنسان بتنوع مجالات عملهم. كما شمل عشرات حالات المنع من الحق في التنظيم وتأسيس الجمعيات، علما أن العدد الحقيقي للجمعيات التي ترفض السلطة تعسفا تمكينها من وصل الإيداع يفوق ذلك بشكل صارخ حيث أخذ هذا التعسف منحى منهجيا خاصة في بعض الولايات كالرباط حيث حرمان الجمعيات والتنظيمات من وصل الإيداع عند وضع الملف يتم بشكل شامل.

ومن خلال التقارير التي وضعت من طرف مختلف المنظمات يتضح أن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان معنية بالجزء الأوفر، وبشكل كبير، من انتهاكات الحق في التنظيم والحق في التجمع السلمي. كما تمكنت الجمعية من خلال علاقاتها بالعديد من الشركاء من التأكد أن أن السلطة تعمد إلى محاولة تأليبهم عليها كما تلجأ إلى الضغط على الشركاء الراغبين في الاشتغال معها لإبعادهم عنها وعلى الجهات المانحة بهدف الخنق المالي للجمعية بشكل غير مباشر.

 

IV-         انعكاسات سياسة القمع الممنهجة على واقع المدافعين/ت وتنظيماتهم

 

من الصعب حصر كل ما تعانيه الحركة الحقوقية، والمدافعين بشكل عام، من جراء السياسة الممنهجة للسلطة المعادية للحقوق والحريات والمنتهكة لمضامين الإعلان العالمي لحماية المدافعين. إلا أن الحركة الحقوقية، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان بشكل خاص، التي عرف عدد كبير من أعضائها المتابعات القضائية والاعتقال والاعتداءات الجسدية من طرف القوات العمومية والتشهير في الإعلام الموالي للسلطة، سجلت في التقارير التي تناولت مستجدات الحصار والتضييق التي تتعرض له الحركة الحقوقية في السنوات الأخيرة ثلاث جوانب أساسية لهذا الحصار وهي:

ــ الحرمان من الفضاءات العمومية : وقد أثر ذلك بشكل كبير على قدرة الجمعية في مواصلة مجهودها الرائد في النهوض بثقافة حقوق الإنسان والذي مكنها من الحصول على الجائزة الإفريقية في هذا المجال. ولم تكن وحدها المقياس لنجاح تجربتها بشكل كبير. فتوسع صفوف الجمعية، خاصة التحاق أفواج الشباب بها، كان بفضل عملها التثقيفي والتكويني في وسط التلاميذ والطلبة والأساتذة. بل كانت أعداد الأندية الحقوقية التي تأسست في المؤسسات التعليمية من ضمن مؤشرات التأثير البارزة لعمل الجمعية في الفضاءات العمومية واشتغالها في مجال التثقيف الحقوقي. وكان هذا المجال الحيوي من عمل الجمعية هو المستهدف الأساسي من حملة القمع الموجهة لها. فالسلطة تخشى المدافعين والمدافعات وتقف ضد من يكون الشباب ليصبحوا كذلك.

 

ــ الحصول على وصولات إيداع ملفاتها القانونية : رغم أن أغلب الهيآت التي تضع ملفاتها القانونية لدى السلطة لا تحصل على وصل الإيداع كما يفرض ذلك القانون، بما فيها تلك المقربة من السلطة أو الموالية للأحزاب المتواجدة في الحكومة، فإن أغلب التنظيمات لا تطرح المشكل كخرق للقانون وتراجع عن المكتسبات وتكتفي بحل مشاكلها بطرقها الخاصة.

وتعتبر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الأكثر تضررا من هذه السياسة القمعية للسلطة بحكم عاملين. الأول هو العدد الكبير لفروعها المحلية والجهوية، وهو ما جعل مسؤوليها ينشغلون بإجراءات التقاضي عوض الانصراف إلى تحقيق أهداف الجمعية والاشتغال على قضايا الدفاع على حقوق الإنسان والنهوض بها. أما العامل الثاني فهو حرصها الكبير، مقارنة مع غيرها، على انتظام مواعيد تنظيم جموعاتها العامة وتجديد مكاتب فروعها مما يجعل الوقت الفاصل بين جمعين مقلصا، ويستنزف كله عمليا في مواجهة السلطة أمام القضاء، دون التمكن حتى من جعل الأحكام الصادرة ضدها تصل إلى التنفيذ.

ــ الحد من إمكانيات الوصول إلى التمويل : وهو ما يتم بشكل مباشر عبر مذكرة وجهت لوزارة الخارجية بشأن تمويل الهيآت الدولية للجمعيات وفرض الإبلاغ القبلي لوزارة الخارجية بكل تمويل. وأيضا بشكل غير مرئي وغير مسبوق حيث يتم التأثير مباشرة على الجهات الراغبة في دعم المجتمع المدني المغربي حتى لا تتعامل مع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان. كما تم طرد بعض شركاء الجمعية من المغرب ومنعوا من دخوله من جديد. وقد تمكنت السلطة من خلال هذا الحصار المفروض على شركاء الجمعية وعلى غيرهم من مصادر التمويل على تقليص بنياتها المؤسساتية وتخفيض مستوى الشروط المادية لأنشطتها والبحث عن بدائل لوضعيتها المؤسساتية التي اضطرت إلى الحد من العديد من جوانبها.

ومن مظاهر الحد من إمكانيات التمويل أيضا الحرمان من المنح التي تسلمها الجماعات الترابية للجمعيات وهو الحرمان الذي أصبح ممنهجا بسبب حرمان الفروع من وصولات إيداع ملفاتها القانونية. ومن المخاطر المقبلة المحدقة بالجمعيات الجادة هو ما تضمنه مشروع قانون المالية من إجراءات قد ستزيد من التضييق والخنق المالي للحركة الحقوقية المستقلة والمناضلة في حالة تمريرها من طرف البرلمان، وخاصة تحصين الإدارة العمومية من تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة.

الاعتقالات والمتابعات وقد مست العديد من أعضاء الجمعية ومسؤولي فروعها أثناء القيام بأنشطة وأعمال تدخل في إطار مسؤولياتهم كمدافعين عن حقوق الإنسان. وتوظيف القضاء للانتقام منهم ومعاقبتهم على التزامهم الحقوقي ونضالهم ضد منتهكي الحقوق والحريات.

شيطنة الجمعية ومحاولة المس بسمعتها لدى الرأي العام: تستغل السلطة جميع الإمكانيات في محاولات ضرب مصداقيتها وسمعتها الطيبة لدى الرأي العام. وتستغل الاعتقالات التي تمارسها ضد مناضلي الجمعية في تخويف محيطها منها، وهو ما يعتمده عدد من رجال السلطة في تواصلهم مع أسر الشباب الذي يلتحق بالجمعية لترهيب العائلات من الجمعية وشيطنة مناضليها وتخوينهم لدفعها إلى الضغط على أبنائها ليبتعدوا عنها ويتجنبوا الحضور في أنشطتها.

الحملات الإعلامية ضدها وضد مسؤوليها : أصبح الإعلام الموالي للسلطة يحتل جزءا كبيرا من المشهد الإعلامي، ويتوفر على إمكانيات كبيرة تمكنه من الانتشار والتأثير. ويستخدم بشكل خاص في نشر الأكاذيب ضد النشطاء والإطارات الممانعة في محاولة من عزلهم عن محيطهم وضرب المكانة التي يحتلونها في الفضاء العام وممارسة ضغط نفسي متواصل عليهم للحد من فعلهم. وقد أصبحت عدد من الإطارات تسمي هذه الأساليب بالآليات الجديدة للقمع[1].

إن أخطر تأثير لوضعية الحصار التي تعرفه الجمعية لا يتجلى في انعكاساتها المادية على ظروف اشتغالها وتراجع قدراتها المالية فحسب، بل في استبطان العديد من مناضليها ومناضلاتها لهذا الوضع والاستسلام له، والتخفيض الإرادي لأنشطة الفروع واللجن بسبب الوضع الذاتي وليس الموضوعي، وهذا أخطر نتائج الحصار وانعكاساته.

لقد اعتبرت الجمعية، منذ التسعينات حين بدأت بعض المكاسب الحقوقية تنتزع، أن تلك المكاسب لها ميزتان. الأولى هي انها جزئية لا تهم كافة الحقوق، إذ تهم جزءا من الحقوق المدنية والسياسية فقط، ثم انها هشة بمعنى أنها لن يستمر احترامها طويلا وسيتم الاجهاز عليها، لأن الدولة تفتقد الإرادة السياسية اللازمة لجعل تلك المكتسبات بداية لتشييد دولة الحق والقانون وتحقيق الديمقراطية الحقيقية والفعلية.

وانطلاقا من هذا الوعي بطبيعة السياق السياسي الذي تشتغل فيه، فقد راكمت الجمعية تجربة مهمة في القدرة على مقاومة القمع، وتمكنت من ملاءمة استراتيجياتها مع مستجدات الوضع كلما تطلب الأمر ذلك خدمة لأهدافها التي لا تتغير بتغير الوضع، بل تتغير طرق العمل من أجل تحقيقها.  

لقد عرفت كيف تلائم عملها مع الأوضاع الجديدة وإعادت ترتيب أولوياتها لاستغلال ما توفره الشروط الموضوعية من إمكانيات تخدم جانبا مهما من جوانب تطوير أوضاع حقوق الإنسان وتخصص له الشق الأوفر من الامكانيات التي تحصل عليها واستثمرت في مجال تكوين الكفاءات الضرورية لإنجاح العمل الجديد للجمعية. وقد استفادت الجمعية من هذا التموقع الجديد لفعلها الحقوقي في توسيع قاعدتها وتشبيبها وتأنيثها وفي انفتاحها على فئات جديدة كهيئة التدريس والتلاميذ والطلبة ورجال ونساء التعليم العالي....

هكذا تمكنت الجمعية من تدبير الصمود في وجه آلة القمع التي استهدفتها إلى جانب عدد من التنظيمات الأخرى المناهضة للفساد والاستبداد. أكدت استمرار قدرتها على التأقلم وإبداع أساليب جديدة ملائمة للوضع الجديد، إذ تمكنت من مواصلة العمل لسنوات في ظروف صعبة، بل استطاعت مواصلة العمل في مجال التثقيف الحقوقي وانفتحت على فئة جديدة وهي فئة الفنانين والفنانات التي اشتغلت معها الجمعية لأول مرة في تاريخها.

وبعد أكثر من خمس سنوات من الحصار والتضييق الشديدين، تواصل الجمعية نضالها بكل قوة، ولازالت تشكل التنظيم الحقوقي الأكثر نشاطا وحضورا في السحة الحقوقية والإعلامية، ولا زالت تصدر تقاريرها السنوية والموازية والموضوعاتية في وقتها، وتلعب دورها في الشبكات التي تنسق عملها، وتواصل مهامها في مجال الحماية والدفاع عن حقوق الإنسان كما هو مسطر في أهدافها، بفضل التضحيات التي يقدمها مناضلوها ومناضلاتها والاحتضان الذي تحضى به في محيطها.

 


[1]  سبق للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتنسيق مع العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان وجمعية "الحرية الآن" والجمعية المغربية لصحافة التحقيق أن نطمت مناظرة دولية حول هذا الموضوع الذي له حضور عالمي تستعمله جميع الدكتاتوريات للانتقام من منتقديها ومعارضيها.


المزيد حول عام عودة